وهبة الزحيلي

155

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

من عبادي من يشكرني ، فيستعمل جميع جوارحه فيما خلقت له من المنافع المباحة . والشكور : هو الذي يشكر في جميع أحواله من الخير والضرّ . كما قال تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ [ ص 38 / 24 ] وهذا إخبار عن الواقع . ورد في الصحيحين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إنّ أحبّ الصلاة إلى اللّه تعالى صلاة داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، وأحبّ الصيام إلى اللّه تعالى صيام داود ، كان يصوم يوما ، ويفطر يوما ، ولا يفرّ إذا لاقى » . و أخرج مسلم في صحيحة عن عائشة رضي اللّه عنها « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقوم من الليل حتى تفطّر قدماه ، فقلت له : أتصنع هذا ، وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أفلا أكون عبدا شكورا » . و أخرج الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صعد المنبر ، فتلا هذه الآية ، ثم قال : « ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود ، فقلنا : ما هنّ ؟ فقال : العدل في الرّضا والغضب ، والقصد في الفقر والغنى ، وخشية اللّه في السّرّ والعلانية » . ومع هذه النعم وعظمة سليمان عليه السلام ذكر تعالى كيفية موته وتعميته على الجن المسخرين له في الأعمال الشاقة ، فقال : فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ، ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ، فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ أي فلما حكمنا على سليمان بالموت وألزمناه إياه ، مات ، وهو قائم متكئ على عصاه ، ولم تعلم الجن بموته ، وبقوا يعملون خوفا منه ، ولم يدلّهم على موته إلا الأرضة التي أكلت عصاه من الداخل ، فلما سقط بعد ما وقعت عصاه ، ظهر للجن أنهم